جريدة الزراعة اليوم
صوت المزارع المصري

الزراعة هي السر الكامن وراء اسطورة القومية المصرية

48

 

قد لا يدرك البعض أن الزراعة هى السر الذي اعطي البقاء لأسطورة القومية المصرية علي مدي اكثر من ستة آلاف عام،  وقد تبدو القومية المصرية في فترات قوية، أو تبدو فترات اخري ضعيفة ، لكنها موجودة فى إطار قابل للتأهيل والتغيير والتواصل مع الغير وتجديد جذور البقاء اليوم وغدا.

وعلي العكس من ذلك فعلي مر التاريخ ازدهرت حضارات اخري بجوار حضارتنا المصرية  مثل، الآشورية والبابلية والحيثية والفارسية والإغريقية والرومانية، لكنهم جميعا زالوا وتركوا بقايا من ثقافتهم لا تزال تظهر علي استحياء بين شعب وآخر.

ولقد مرت الزراعة المصرية بثلاث مراحل أولاها منذ ثمانية آلاف سنة، حيث قامت زراعة مطرية نحو الفى سنة فى مساحات كبيرة أكثرها خارج الوادى والدلتا، ثم حدث جفاف أجبر الناس على سكن وادى النهر يصلحون تدريجيا بعض الأرض للزراعة، ومنذ الألف السادسة ابتكروا تكنولوجيا رى الحياض استمرت حتى انتهت آخرها فى ستينيات القرن الماضى. المرحلة الثالثة منذ مائتى سنة مع منشآت محمد على الزراعية تميزت بتكثيف رأسى للزراعة بادخال محاصيل صيفية الى جانب الشتوية وما زلنا على هذا النمط الزراعى مع اضافة محصول نيلى صغير وتقنين مياه الرى بإنشاء سد اسوان القديم ومجموعة قناطر وترع للامتداد الأفقى على هوامش الدلتا والوادى .

 

وكان أهم تنظيم خلال القرنين كان التشدد فى دورة زراعية مع فترة راحة ودخول الطمى مع مياه الفيضان يجدد قدرة التربة بيولوجيا. صحيح كان هناك استخدام للأسمدة الكيماوية لكن اكثره كان محدودا بأرض ذات قوام ضعيف فى الملكيات المتوسعة آنذاك فى برارى شمال الدلتا مع طلمبات صرف مياه كانت خطا دفاعيا ضد غدق التمليح فى تلك الاراضى .

مع التغير الى النظام الجمهورى حدثت محاولات عدة لتحسين وتوسيع الزراعة بتحديد الملكية واستصلاح هوامش صحراوية (مديرية التحرير) ومشروعات الوادى الجديد وتوشكى وسحارة سرابيوم وترعة السلام. بعض هذه الجهود باء بالفشل نتيجة السرعة دون سند علمى كالوادى الجديد، أو تخبط سياسى فى توزيع الأرض بين محتكرين كبار فى توشكى. وحتى نتائج مشروع «ثلاثة فدادين» بعد تقييد الملكيات الواسعة هبطت به الوراثة بعد جيل الى فدان واقل. أما السد العالى فله جوانبه المفيدة مائيا بخلق بنك مياه تحت الطلب ضمن حدود السيادة الوطنية مع انتاج الطاقة التى تأسست عليها منظومة كهربة الريف. لكن لكل مشروع جوانب سلبية اكبرها فقدان الطمى السنوى وتراكمه فى بحيرة ناصر، وأكثرها سلبية بقاء منسوب النهر على مستوى شبه ثابت أفقده كينونته كمصرف طبيعى للمياه الباطنية حين يهبط منسوب النهر فترة التحاريق وبالتالى ظهور واحدة من مشكلات التربة وهى ارتفاع منسوب المياه التحتية دون تصريف . مشكلة الزراعة الآن متعددة ليست فقط قصور الصرف ولكن بفقدان نظام الدورة وزراعة مساحات واسعة للأرز وغيره من المحاصيل النهمة للماء وتغير العادات الغذائية الريفية وتوالى زيادة سكان مصر. هذه جُمل بسيطة للمأزق الحالى فى الزراعة المصرية تهددها ثلاثة مخاطر هى:

ــ رى الغمر الذي يعتبر اسلوبا قديما ، لكن قدرة الفلاح المالية منعدمة على إنشاء نظم رى حديثة تسهم فى توفير مياه الرى وخفض منسوب المياه الباطنية وتقليل استخدام الاسمدة الكيماوية بأضرارها على صحة النبات والانسان، وتقليل استيراد بذور معالجة جينيا باستنباط بذور محلية للحفاظ على التنوع النباتى كرصيد تحت الطلب .

ــ مشكلات مياه حوض النيل يمثلها فى اعلى حدودها رغبة السودان وإثيوبيا فى التوسع باستخدامات مختلفة لمياه أعالى النيل (زراعى وطاقة) تؤدى لإشكاليات سياسية مؤقتة لكنها ملغومة ويضاف اليها استثمارات عربية وصينية حالية فى زراعة اراض افريقية لتوفير محاصيل غذائية لمليار من الصينيين وملايين من العرب حيث تناقصت المياه الباطنية لاستهلاك غير مرشد فى مشروع روج له الغرب باسم «تخضير الصحراء، «فى السعودية، وبالمثل «النهر الكبير» فى ليبيا لم يكن مفيدا رغم ضخامة التكلفة. كما تظهر ايضا استثمارات غربية بما فيها اسرائيلية كلها تزيد من واجبات السياسة المصرية تجاه دول حوض النيل وخارجه.

ــ استمرار الملكيات الزراعية القزمية (اقل من فدان)، نشاط عبثى غير ذي جدوي اقتصادية حيث تبلغ مساحته رُبع المساحة الزراعية الكلية لعدم وجود تشريع يقيد التفتيت تحت 5 افدنة على الأقل. لا يعنى ذلك إضرارا بحقوق الورثة ولكن قيام واحد منهم بالعمل الزراعى لكل المساحة مع حفظ الأنصبة فى التكاليف والأرباح والضرائب معا.

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.