جريدة الزراعة اليوم
صوت المزارع المصري

زعيم المسرح الفكاهي”كشكش بيه”

19

كتبت/سارة جمال 

 “مات نجيب.. مات الرجل الذي اشتكى منه طوب الأرض وطوب السماء إذا كان للسماء طوب.. مات نجيب الذي لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب.. مات الرجل الذي لا يعرف إلا الصراحة في زمن النفاق.. ولم يعرف إلا البحبوحة في زمن البخل والشح.. مات الريحاني في ستين سلامة”. 

هكذا رثى الريحاني نفسه قبل وفاته بخمسة عشر يوماً، وقد وُلد نجيب إلياس ريحانة في حي باب الشعرية بمصر  فى 21 يناير عام 1889 لعائلة مسيحية كاثوليكية وكان واحدًا من 3 أولاد لأب عراقي يعمل في تجارة الخيول وأم مصرية، تأثر كثيرا بها، وأجاد السخرية حتى من نفسه، ولم يكمل تعليمه لتدهور ظروف والده المادية مكتفيا بشهادة البكالوريا واضطر للعمل مبكرا في وظيفة تمكنه من مساعدة أسرته.

  ويعد الريحاني أحد رواد المسرح المصري، وقد حرص الريحاني عبر أفلامه وأعماله المسرحية على انتقاد الواقع الذي يعيشه، بسخرية لاذعة تضحكك وتبكيك في آنٍ واحد، ولم يكن مجرد ممثل بل مترجم يترجم ما يحس ويشعر به بصدق بالغ، وربما كانت كل الظروف السيئة التي مر بها والمآسي التي عاشها سببا في صنع كوميديان عبقري، صاحب مدرسة منفردة لا يستطيع أحد تقليدها، لأنها مدرسة السهل الممتنع.

 أما عن قصة” كشكش بيه ” الشخصية الشهيرة التي اشتهر بتقديمها نجيب الريحاني..يقول الريحاني أنَّهُ ابتكر شخصيَّة كشكش من خِلال تجارُبه مع عُمد الريف، فكثيرًا ما كان يلتقي بهم في أثناء عمله بالبنك الزراعي، عندما كانوا يترددون عليه لِلحُصول على قُروض، بعد فقدهم أموالهم أو تعرُّضهم للاحتيال في المدينة، على أن تُسدد القُروض بعد عودتهم إلى قُراهم أو تُقيَّد كدينٍ يُخصم من ثمن محصول السنة التالية. فخطر بباله أن يبتكر عُمدةً عجوز شهواني، محبوبٌ لِطيبته وسذاجته ومرحه وشغفه بالحياة، يرتدي الجبَّة والقفطان والعمامة، وفد حديثًا من الريف إلى القاهرة وبجُعبته الكثير من المال، فالتفَّ حوله فريقٌ من الحِسان أضعن ماله، وتركنه مُفلسًا، فيعود إلى قريته يعضُّ بنان الندم، ويُقسم أغلظ الأيمان بأن يعود إلى رُشده، وألَّا يعود إلى ارتكاب ما فعل. فهو إنسانٌ فيه براءة الريفيين وخفَّتهم الفطريَّة، وعلى الرُغم من مكره ودهائه إلَّا أنَّهُ بريءٌ من زيف المدينة وخداعها ونفاقها.

وفي أوَّل شهر (يوليو) – من تلك السنة – كتب الريحاني وأخرج أولى مسرحيَّات «كشكش بك» بِعنوان «تعالي لي يا بطَّة»، التي استغرق عرضها عشرين دقيقة، وكان يشعرُ بالقلق الشديد مخافة فشلها. ولكن لم يكن هُنالك ما يدعو للقلق، فقد ابتهج جُمهُور حفل الافتتاح، ورفع “روزاتي” صاحب المسرح أجر الريحاني الذي تعهَّد بِإخراج مسرحيَّة جديدة كُل أسبُوع.

 ومن بين أعماله التي تسببت في خروجه من مصر هربا من الاعتقال أو بطش الملك به مسرحية “حكم قراقوش”، والتي كتبها صديقه الفنان بديع خيري، وهاجم فيها الملك فاروق والأكثر من ذلك أن الملك عندما طلب منه تقديم مسرحية في قصره ليشاهدها، أصر على تقديم هذا النص ضاربا باعتراض خيري عرض الحائط، ورغم عدم ندمه على هذه الخطوة خاف بعدها وفضل السفر خارج مصر متجها للبرازيل.

وكانت المسرحية تحكي قصة ملك ظالم، يعيش شعبه حياة الفقر والحرمان، وفهم فاروق أنه هو الحاكم المقصود، وأن الشعب الفقير هو الشعب المصري، وأن أحداث المسرحية إسقاط على ما يحدث في مصر.

وبحسب ابنته جينا في العديد من الحوارات الصحفية واللقاءات التليفزيونية، فأن الملك فاروق منح لقب البكوية للفنان يوسف وهبي واستثنى الريحاني ولم يمنحه اللقب، عقابا له، موضحة أن سفره للبرازيل جاء بناء على نصيحة تلقاها من رجل الاقتصاد المصري “طلعت حرب”، خاصة بعد انتشار أقاويل تتهم نجيب بأنه جاسوس ألماني.

  • غزل البنات 
 شارك الريحاني فى 22 مسرحية ناجحة و9 أفلام أبرزها “غزل البنات” 

ويعد فيلم “غزل البنات” من أبرز أفلام الفنان الراحل نجيب الريحاني،  وآخر أعماله الفنية والذي رحل قبل إتمام آخر مشاهده، مما اضطر المخرج لتغيير نهاية الفيلم الأساسية.. ورغم تنفيذه في أربيعينات القرن الماضي إلا أنه لا يزال فيلماً أساسيا على شاشات القنوات الفضائية، يشاهده الجمهور ويستمتع بلقطاته حتى الآن. 

وقد شهد الفيلم في إحدى لقطاته بكاء نجيب الريحاني بكاءً حقيقيا، فعلى الرغم أن مشاهد البكاء تتم عادة باستخدام بعض المستحضرات الطبية للمساعدة على انهمار الدموع، إلا أن الريحاني بكى بشكل واقعي خلال تصوير المشهد.

الأمر بدأ عندما استعد الريحاني لتصوير مشهد فراق ليلى مراد بعد أن تعلق قلبه بها، وطلب مخرج الفيلم أنور وجدي من الريحاني استخدام “الجليسرين”، ولكن الفنان الراحل رفض ذلك وطلب أن يمكث وحيداً بإحدى الغرف لدقائق قليلة.

ليخرج الريحاني غارقاً في دموعه، وعندما سأله أنور وجدي كيف فعل ذلك، أخبره بأنه تذكر شقيقه الذي خرج يوماً ما من منزلهم ولم يعد.

 وفى  الـثامن من يونيو عام 1949م فارقنا رائد المسرح الفكاهي وزعيم الكوميديا ” نجيب الريحاني” بعد صراع مع مرض التيفود بالمستشفى اليونانى بحى العباسية عن عمر يناهز 60 عامًا.

 

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.