جريدة الزراعة اليوم
صوت المزارع المصري

سوق الجمال بدراو ..ثروة حيوانية ومزار سياحي لم يستغل

15

تقرير أعده : مصطفي محمد عبد الحميد / احمد عبد الوهاب

دراو مدينة تقبع جنوب مصر تحديداً في محافظة أسوان , في تلك المدينة التي  تحمل اسماً فرعونياً , وبرغم  تفرق حروف اسمها بالعربية ، إلا أن أهلها الذين يعمل أغلبهم بتجارة الجمال ، تجمعهم  في عملية التجارة  كلمة شرف أقوي من أي اتفاق مكتوب .

يوم السبت والأحد من كل أسبوع  بنجع الغابة شرق مدينة دراو التي تقع على بعد 40 كيلومتر شمال مدينة أسوان، يقام أكبر سوق للجمال في مصر ويحضر إليه التجار من جميع محافظات مصر، تبلغ مساحتة 9 أفدنة تقريبا ، عند اقترابك من السوق، تفاجئ بأصوات عراك ممزوجة بأصوات الجمال، وفوضى عارمة , تكاد أن تثني عزمك عن إكمال مهمتك الصحفية في سوق الجمال، وعند الدخول لفناء السوق تجد زحام واختلاط  متلاحم بين البشر والجمال معا في حلقات متقاربة , من أول وهلة بعد دخول السوق تعرف أن هذه الفوضى ما هي إلا نظام السوق وأصوات العراك والخناق ما هي إلا عملية التفاوض والمداولات التي تعلو خلالها الأصوات وتهبط فجأة لتسمع بعدها جملة “يفتح الله” وهي تدل على رفض عملية البيع، أو جملة “الله يبارك” والتي تدل على الرضا والموافقة على البيع .

حاولنا في “الزراعة اليوم ” التعرف على نشأة السوق وعملية الشراء والبيع , في  البداية التقينا بالحاج علي مبارك تاجر من دراو، قال لنا إن السوق أنشأت في الثلاثينات من القرن الماضي، حيث كانت بمدينة فرشوط، ثم انتقلت إلى مدينة إسنا ومنها لمدينة دراو لقربها نسبيا من الحدود السودانية.

وفي جولتنا بالسوق كان لقاءنا مع أحمد البدوي تاجر سوداني  من مدينة دنقلة سألناه عن رحلة الجمال من السودان إلي مصر قال ، إن الرحلة تبدأ بعد أن يتم تجميع الجمال من مراعيها شرق وغرب وشمال وجنوب السودان مثل دارفور والجنينة وكسلا والأبيض وبياله وغيرها، في مدينة دنقلة  وبها يتم الفحص البيطري من قبل السلطات السودانية على الجمال, بعدها تبدأ الرحلة إلى مصر وقديما كانت تسير القافلة عبر درب الأربعين وتستغرق الرحلة 40 يوما ولذا أطلق على الطريق درب الأربعين وكان يرافق الجمال في رحلتها 4 رعاة أو أكثر حسب عدد الجمال بالإضافة إلى مقتفى الأثر ويعرف بالخبير نظرا لخبرته في السير في دروب الصحراء، والآن يتم شحن الجمال في سيارات بعد تجميعها في دنقلا ويرافقها أيضا عدد من الرعاة وتصل يوم الاثنين من كل أسبوع إلى ميناء أرقين وهناك يتسلم الوكلاء  شحنة الجمال.

ويلتقط على مبارك طرف الحديث قائلا: “يدخل السوق كل أسبوع ما يقرب من 5 آلاف جمل مملوكة للتجار السودانيين، ولكل تاجر سوداني وكيل مصري يتولى عنه استلام الجمال وبيعها نيابة عن التاجر السوداني ويوجد بدراو أكثر من  11 وكيلا لكل منهم مكتب ومندرة داخل السوق، وبعد إنهاء الإجراءات الجمركية وإجراءات المحجر البيطري بمدينة أبو سمبل، تُشحن الجمال إلى مدينة دراو  لتتوجه إلى ما يسمى “التبة” وهي أرض عالية مستوية تسمح بنزول الجمال من السيارة ويتم دخول سيارات النقل إليها لإنزال الجمال بعد وضع السيارة على مستوى التبة، بحيث لا تتعرض الجمال للإصابة أثناء نزولها من السيارات، ليتم بعد ذلك تجميعها في فناء التبة وحصرها لتبدأ في الدخول إلى الأحواش الخاصة بالوكلاء ويتم وضع العلف والمياه لها داخل الحوش لحين انعقاد السوق.

وأكمل مبارك قائلا: بعد صلاة فجر السبت  تبدأ عملية نقل الجمال من الأحواش إلى سوق الجمال بصحبة التاجر السوداني والوكيل، ويحرص كل منهم على “تبريك” جماله أمام مكتبه، ويبدأ التجار في الوقود إلى السوق بدء من السابعة صباحا، وبوصول الجمال إلى السوق تبدأ عملية البيع والشراء التي تتم بالمزاد ويتكون مثلث البيع داخل السوق من التاجر السوداني  “صاحب الجمال” والوكيل المصري والمشترى الذي غالبا ما يكون تاجر أو جزار أو مزارع . حيث يتواجد كل وكيل وتاجر بجوار الجمال الخاصة به في حلقات داخل السوق التي تكتظ بالجمال ويتم ربط إحدى سيقان الجمل الأمامية بثنيها للحد من حركته داخل السوق. حيث تبدأ عملية الشراء والبيع داخل السوق وتبدأ عملية التفاوض في شراء الجمال بين المشترى والوكيل المصري الذي يحاول التوفيق مع التاجر السوداني على السعر، ولك أن تتعجب من مشهد التفاوض على البيع والذي قد تظن للوهلة الأولى أنه مشاجرة حيث تتعالى الأصوات ويحتد النقاش ويحدث نوع من الشد والجذب الذي قد يستمر لفترة  يصر خلالها التاجر السوداني على سعر ويتفاوض الوكيل للوصول إلى سعر يرضي التاجر السوداني والمشترى، وبمجرد الاتفاق على السعر تبدأ مرحلة شحن وتحميل الجمال على الشاحنات سواء النقل الثقيل أو النصف أو الربع نقل من فوق “تبة صغيرة” داخل السوق تستخدم لتحميل الجمال على السيارات لنقلها حيث وجهة المشترى سواء داخل أسوان أو خارجها. وقبل غروب شمس السبت تبدأ الجمال المتبقية من اليوم الأول لانعقاد السوق فى العودة إلى الأحواش فى أنتظار حلول اليوم التالى حيث تعود الجمال من جديد صباح الأحد ليبدأ مسلسل البيع والشراء فى اليوم الثانى لانعقاد السوق.

ويتدخل  محمد بنداس تاجر جمال بمدينة دراو في الحديث قائلا إن أسعار الجمال تخضع للعرض والطلب وفى مواسم الأعياد وشهر رمضان يكون البيع أكثر وبالتالى السعر أيضا أعلي

ويضيف بنداس “يختلف سعر الجمل طبقا لعمره وحجمه والغرض من شراءه , فهناك جمل يشترى ليقتنى وله مواصفات خاصة ويشتريه المزارعون لاستخدامه في تحميل و نقل محاصيل زراعاتهم خاصة في المناطق التى لا تدخلها سيارات النقل . وهناك الجمل القشاش الذي يشتريه التجار ويعلفونه  لمدة شهرين أو ثلاثة ويباع بعدها على أنه جمل بلدى، والجمل كبير العمر يسمى “ناب ” و الجمل  “القاعود” وهو جمل صغير السن ويبدأ بيعه من عمر سنه وفي حالة ذبحه في هذا العمر يعطي حوالي 70 كيلو لحم صافي.

ومرة اخري يتدخل  مبارك في الحديث قائلا إن عملية البيع بالجملة تسمى ” الحبل” حيث يشترى التاجر كل صفقة الجمال أو جزء منها وتباع جميعها بسعر موحد دون تفرقة بين وزن وعمر الجمال . .وعملية البيع بالتجزئة تسمى “الفرادى ” حيث يشترى التاجر جمل او اثنين . وتنتهى البيعة إما بالرفض وفى هذه الحالة يقول التاجر ” يفتح الله ” للتعبير عن رفض السعر المقدم من المشترى . وفى حال إتمام البيعة يقول “الله يبارك” .

الوكيل هو من ينوب عن التاجر السوداني في عملية استلام وبيع الجمال وتحمل مخاطر البيع بالأجل , هذا ما أكده رمضان عنكه أحد الوكلاء من دراو ، وأشار إلى أن كل وكيل له عملاءه الذي يشترون منه بالكلمة ومنهم من يسدد جزء من قيمة الجمال ومنهم من يدفع بعد التصرف فيها سواء بالبيع أو الذبح , والوكيل يسدد للتاجر السوداني قيمة الجمال المباعة بعد انقضاء السوق ويتولى هو تحصيل قيمة المبالغ المستحقة .

وأكد أحمد عباس” تاجر سوداني” ،  أن الوكيل يتقاضى عمولة مجزية عن مجمل الأعمال التي  يؤديها بدء من استلام الجمال على الحدود المصرية السودانية .وتابع عباس حديثه عن تجارة الجمال وأصلها قائلاً: “هذه المهنة ورثناها أباً عن جد سواء في مصر أو السودان، وخرجنا إلى الدنيا وجدنا آبائنا وأجدادنا يعملون في تجارة الجمال فهى تجارة قديمة بين مصر والسودان، لأن الجمال تأتي عن طريق السودان وتدخل مصر عبر الحدود المصرية السودانية ويستفيد منها أهل البلدين فى الربح المادي والتجاري والسفر وغيره  مؤكداً أن تجارة الجمال تغيرت عن السابق ولم تعد تجدي سواء  على التاجر السوداني أوالمصري  وذلك بسبب زيادة الإجراءات الجمركية وزيادة الرسوم المفروضة  وتحكم الدولار في سعر السوق بين السودان ومصر، مؤكداً أن تعويم الجنيه وارتفاع قيمة الدولار خسارة على التاجر السوداني والمصري أيضاً “على حد قوله”. وأيده محمود عنبر تاجر جمال من أسيوط بقوله  إن الغلاء ارتفاع سعر الدولار أثر بالسلب على حجم تجارتى و أصبحت اشترى نصف الكمية التى كنت أشتريها من قبل . بسبب أرتفاع الأسعار .والمزارع الذى كان يشترى منى الجمل بسعر 15 الف أصبح يشتريه بسعر 35 الف ، ويقتنيه عدة شهور ويبيعه بمكسب قليل.

أما عن المشاهد داخل سوق الجمال فلابد أن يأخذك العجب,فتجد  داخل السوق ضرب الجمال بالعصا أثناء عملية البيع للدلالة على ان الجمل يرمى لحم كثير، كما تجد أن بعضها  “مربوط” من إحدى ساقيه الأماميتين دلالة على صحته وقوته وأيضا حتى لا يجري خارج السوق أو يختلط بجمال تاجر آخر، وتجد على رقاب الجمال وأرجلهم علامات كوى بالنار تتم في السودان وهي علامات محددة لكل تاجر أو قبيلة و ترمز لتبعية مالك الجمال,وفي حالة فقدها يتم التعرف عليها وإعادتها لأصحابها .وهناك علامات بالحبر الخضر والحمر والأزرق وتكون في شكل حروف أو أرقام أو رسومات وتخص الوكلاء في دراو ، وتدل على تبعية الجمال لوكيل بعينه .

و المشهد داخل السوق لا يقف على بيع وشراء الجمال فقط، فهناك أنشطة أخرى هامشية، حيث تجد عدد من الباعة المتجولين داخل السوق، منهم من يبيع الحدادة والأدوات حديدية التي تستخدم في أغراض خدمة الجمال، وباعة الشاي والقهوة و”المدغة والصعوط ” (نوع من التبغ مشهور في جنوب الصعيد يوضع داخل الفم ) والشيشة أيضا.ولا يخلو السوق من باعة الملابس الصعيدي كـ”الجلاليب ” و”السديرى” و”التقشيطة ” ( نوع من الجلاليب يصنع من قماش خفيف يلبس بمفرده صيفا , ويستعمل كلباس داخلي تحت الجلباب شتاء). ولا تخلو يد أحدهم من نبوت(عصا غليظة) للكبار أو  خرزانة (عصا رفيعة) للشباب. ومن المشاهد المألوفة هو تواجد أعداد من الأطفال الذين يحرص ذويهم على اصطحابهم للسوق لتعلم المهنة منذ الصغر.

أما أغرب المشاهد ، فكانت وجود أعداد من السائحين ، الذين يحرصون على حضور مشهد سوق الجمال الذي أصبح مزارا سياحيا يحرص السياح على زيارته والتقاط الصور مع الجمال وفوقها .

وبرغم هذا الاقبال من السياح ألا أن وزارة السياحة لم تستغل هذا الامر ، وتقوم بإدراج  السوق كمزار سياحي حتى الآن،أو تجعل منه مقصداً لهواة التصوير الفوتوغرافي، أو محطات التليفزيون الدولية  أوالمحلية .

 

 

 

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.